الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

96

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 47 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 47 ] نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً ( 47 ) كان المشركون يحيطون بالنبيء صلى اللّه عليه وسلّم في المسجد الحرام إذا قرأ القرآن يستمعون لما يقوله ليتلقفوا ما في القرآن مما ينكرونه ، مثل توحيد اللّه ، وإثبات البعث بعد الموت ، فيعجب بعضهم بعضا من ذلك ، فكان الإخبار عنهم بأنهم جعلت في قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر وأنهم يولون على أدبارهم نفورا إذا ذكر اللّه وحده ، ويثير في نفس السامع سؤالا عن سبب تجمعهم لاستماع قراءة النبي - عليه الصلاة والسلام - ، فكانت هذه الآية جوابا عن ذلك السؤال . فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا . وافتتاح الجملة بضمير الجلالة لإظهار العناية بمضمونها . والمعنى : أنّ اللّه يعلم علما حقا داعي استماعهم ، فإن كثرت الظنون فيه فلا يعلم أحد ذلك السبب . « وأعلم » اسم تفضيل مستعمل في معنى قوة العلم وتفصيله . وليس المراد أن اللّه أشد علما من غيره إذ لا يقتضيه المقام . والباء في قوله : بِما يَسْتَمِعُونَ لتعدية اسم التفضيل إلى متعلقه لأنّه قاصر عن التعدية إلى المفعول . واسم التفضيل المشتق من العلم ومن الجهل يعدى بالباء وفي سوى ذينك يعدى باللام . يقال : هو أعطى للدراهم . والباء في يَسْتَمِعُونَ بِهِ للملابسة . والضمير المجرور بالباء عائد إلى ( ما ) الموصولة ، أي نحن أعلم بالشيء الذي يلابسهم حين يستمعون إليك ، وهي ظرف مستقر في موضع الحال . والتقدير : متلبسين به . وبيان إبهام ( ما ) حاصل بقوله : إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى . و ( إذ ) ظرف ل يَسْتَمِعُونَ بِهِ . والنجوى : اسم مصدر المناجاة ، وهي المحادثة سرا . وتقدم في قوله : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ في سورة النساء [ 114 ] . وأخبر عنهم بالمصدر للمبالغة في كثرة تناجيهم عند استماع القرآن تشاغلا عنه . و إِذْ هُمْ نَجْوى عطف على إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ، أي نحن أعلم بالّذي يستمعونه ، ونحن أعلم بنجواهم .